السر في رؤية الصدع اللامرئي [على هامش قراءة سأكون بين اللوز]
سمير اليوسف*

يكتب حسين البرغوثي في الصفحتين الرابعة والخامسة من "سأكون بين اللوز"
[خطرت ببالي "ذاكرة المكان" هذه، وأنا واقف فوق الخرائب. غربا، في قمة جبل مغطى بغابات صنوبر وسرو وبلوط، تشع أضواء النيون من مستعمرة إسرائيلية .. أضواء باردة وكاشفة ومحاطة بأسلاك شائكة. وبدت المستعمرة معلقة في الفضاء، ربما بسبب الضوء، أيضا، ولم تلمس الأرض ولا التاريخ بعد.. وأنا واقف فوق الخرائب تلك، شعرت بفرق شاسع ما بين نوعين من "الضوء": القمر والنيون في المستعمرة. كان الأخير مرتبا ومهيمنا وحاد البياض، منتشرا حتى وراء الأسلك الشائكة التي تعزل كل مستوطنة عن محيطها، أشبه ما يكون بـ"رؤيا مسلحة" باحتلال بصري، ومعمار ضوئي لدولة تهذي حتى في منامها برؤى مسلحة بالنيون. وبدت المستعمرة كلها كتابا في علم النفس أيضا: في العلاقة ما بين "القوة و"الضوء". لم يدرس أحد بعد العلاقة ما بين القوة والضوء"]
كلام حسين البرغوثي صحيح دون شك! لا أحد درس كيفية توظيف الضوء في خدمة الاستيطان المدني أو حتى العسكري. على الأرجح لأن لا أحد قد نظر إلى المستوطنات الإسرائيلية من هذه الزواية من قبل. لأن جل كتابنا العباقرة، حينما يجشمون أنفسهم عناء الكتابة عن الواقع المحيط بهم، فإنهم يكتفون بلغة الإدانة السياسية والأخلاقية. لأننا على حق، أو لأن الحق في صفنا، فهم يعتبرون من حقهم أيضا أن يكونوا كسالى فكريا. أن يتكاسلوا في توظيف الخيال الذي ينفذ إلى قلب الحقيقة أو استخدام ملكة التحليل النقدي.
لأن حسين البرغوثي لم يبدد حياته في الكتابة الرمزية التي لا ترى سوى السطحي والمتداول (الكوفية والمفتاح والزعتر والزيتون .. إلخ). الرمزية التي استند إليها حسين البرغوثي هي التي تقرأ الوجود وكأنه نص لغوي، سواء بأساليب أصحاب المعارف الصوفية والباطنية أو السيميائية العلمانية [علم العلامات الذي يعتبر النص بمثابة بنية من العلامات اللغوية. والنص لا يقتصر على النص المكتوب وإنما مجمل الإنتاج الثقافي من فنون وسوى ذلك] استطاع البرغوثي أن يقرأ المشهد الجغرافي السياسي، الفلسطيني الإسرائيلي، كنص يتكون من علامات تتعلق بعلاقة الضوء بالأرض والتاريخ والسلطة السياسية.
يستأنف البرغوثي الكلام: [بدا لي بأنني أرى "ذاكرتين" معا: ذاكرة الأفاعي التي تزغرد وهي تطير وذاكرة من رؤى وأساطير تحلم بإبادة الأفاعي. (ألم يقل إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، في الإنتفاضة السابقة، بأن العرب "أفاع"؟) وبين الذاكرتين، ذاكرة الضحية وجلادها، ما يشبه الوادي أو "الهوة" صدع عميق ما، وأنا واقف على على شفير هذا الصدع اللامرئي.]
لاحظ كيف قلب المؤلف المعنى الرمزي المتداول للأفاعي، باعتبارها رمز للغادر السام القاتل (العرب بحسب إسحاق شمير)، إلى رمز للكائنات التي تنتمي انتماء طبيعيا إلى الأرض والجغرافيا خاصة في مواجهة من لا ينتمي انتماء طبيعيا ["وبدت المستعمرة معلقة في الفضاء، ربما بسبب الضوء، أيضا، ولم تلمس الأرض ولا التاريخ بعد"] والذي يحاول أن يفرض انتمائه بالقوة العسكرية
السر في قدرة القارئ الذي يرى الصدع اللامرئي!
-------------
* صحفي وشاعر فلسطيني يعيش في لندن